ملا محمد مهدي النراقي
83
جامع السعادات
نزل بعض أهل الله عندنا بالمحصب ( 41 ) وكان له أهل وبنات ، وفي كل ليل يقوم ويصلي إلى السحر ، فإذا كان السحر ينادي بأعلى صوته : أيها الركب المعرسون ! ( 42 ) أكل هذا الليل تنامون فكيف ترحلون ؟ فيسمع صوته كل من كان بالمحصب ، فيتواثبون بين باك وداع ، وقارئ ومتوضئ وإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته عند الصباح يحمد القوم السري ) . وهكذا كان عمل عمال الله وسلوك سالكي طريق الآخرة ، وحكاياتهم غير محصورة خارجة عن الاحصاء ، أشرنا إلى أنموذج منها ليعلم الطالبون كيفية سيرة الرجال في مرابطة النفس ومراقبتها ، ويعلمون أن عباد الله ليسوا أمثالنا ، بل هم قوم آخرون . قال بعض الحكماء : ( أن لله عبادا أنعم عليهم فعرفوه وشرح صدورهم فأطاعوه ، وتوكلوا عليه فسلموا الخلق والأمر إليه ، فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين ، وبيوتا للحكمة ، وتوابيت للعظمة وخزائن للقدرة ، فهم بين الخلائق مقبلون ومدبرون ، وقلوبهم تجول في الملكوت ، وتلوز ( 43 ) بحجب العيوب ، ثم ترجع ومعها طوائف من طوائف الفوائد ما لا يمكن لواصف أن يصفها ، فهم في باطن أمورهم كالديباج حسنا ، وفي الظاهر مناديل مبذولون لمن أرادهم تواضعا ، وطريقهم لا يبلغ إليها بالتكلف وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء ) . فعليك يا حبيبي بمطالعة أحوالهم وحكاياتهم ، لينبعث نشاطك وتزيد رغبتك ، وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك ولعمري ! قل في أمثال زماننا من يذكر الله رؤيته ، ويعينك في طريق الدين صحبته ، فإن تطع أكثر من في بلدي وعصرك يضلوك عن سبيل الله . ومنها : الغفلة وهي فتور النفس عن الالتفات والتوجه إلى ما فيه غرضها ومطلبها ، إما عاجلا أو آجلا . وضدها : النية ، وترادفها : الإرادة والقصد ، وهي انبعاث
--> ( 41 ) المحصب - بالمهملتين وضم الميم وتشديد الصاد - : موضع بمكة على طريق منى ، ويسمى ( بطحاء ) . ( 42 ) التعريس نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة ، من أقوالهم : عرس القوم . ( 43 ) في القاموس : اللوز - بالزاي : الملاذ والملجأ .